حديث شداد بن عاد بن إرم

كمال الدين وتمام النعمة|المجلّد 1|الكتاب 2|الباب 51
حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ نَصْرٍ السِّجْزِيُ‌ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ‌ أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ زَيْدٍ الشَّعْرَانِيَّ مِنْ وُلْدِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ حَكَى لِي أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ الْمِصْرِيُ‌ أَنَّ أَبَا الْجَيْشِ‌ حَمَّادَوَيْهِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ طُولُونَ كَانَ قَدْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ مِصْرَ مَا لَمْ يُرْزَقْ أَحَدٌ قَبْلَهُ فغزى [فَأُغْرِيَ‌] بِالْهَرَمَيْنِ‌ فَأَشَارَ إِلَيْهِ جُلَسَاؤُهُ وَ حَاشِيَتُهُ وَ بِطَانَتُهُ بِأَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِهَدْمِ الْأَهْرَامِ فَإِنَّهُ مَا تَعَرَّضَ لِهَذِهِ أَحَدٌ فَطَالَ عُمُرُهُ فَأَلَحَّ فِي ذَلِكَ وَ أَمَرَ أَلْفاً مِنَ الْفَعَلَةِ أَنْ‌ يَطْلُبُوا الْبَابَ فَكَانُوا يَعْمَلُونَ سَنَةً حَوَالَيْهِ حَتَّى ضَجِرُوا وَ كَلُّوا فَلَمَّا هَمُّوا بِالانْصِرَافِ بَعْدَ الْإِيَاسِ مِنْهُ وَ تَرْكِ الْعَمَلِ وَجَدُوا سَرَباً فَقَدَّرُوا أَنَّهُ الْبَابُ الَّذِي يَطْلُبُونَهُ فَلَمَّا بَلَغُوا آخِرَهُ وَجَدُوا بَلَاطَةً قَائِمَةً مِنْ مَرْمَرٍ فَقَدَّرُوا أَنَّهَا الْبَابُ فَاحْتَالُوا فِيهَا إِلَى أَنْ قَلَعُوهَا وَ أَخْرَجُوهَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ وَجَدُوا مِنْ وَرَائِهَا بِنَاءً مُنْضَمّاً لَا يقدروا [يَقْدِرُونَ‌] عَلَيْهِ فَأَخْرَجُوهَا ثُمَّ نَظَّفُوهَا فَإِذَا عَلَيْهَا كِتَابَةٌ بِالْيُونَانِيَّةِ فَجَمَعُوا حُكَمَاءَ مِصْرَ وَ عُلَمَاءَهَا مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ فَلَمْ يَهْتَدُوا لَهَا. وَ كَانَ فِي الْقَوْمِ رَجُلٌ يُعْرَفُ بِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيِّ أَحَدُ حُفَّاظِ الدُّنْيَا وَ عُلَمَائِهَا فَقَالَ لِأَبِي الْجَيْشِ حَمَّادَوَيْهِ بْنِ أَحْمَدَ أَعْرِفُ فِي بَلَدِ الْحَبَشَةِ أُسْقُفّاً قَدْ عُمِّرَ وَ أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ سِتُّونَ سَنَةً يَعْرِفُ هَذَا الْخَطَّ وَ قَدْ كَانَ عَزَمَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَنِيهِ فَلِحِرْصِي عَلَى عِلْمِ الْعَرَبِ لَمْ أَقُمْ عِنْدَهُ وَ هُوَ بَاقٍ فَكَتَبَ أَبُو الْجَيْشِ إِلَى مَلِكِ الْحَبَشَةِ يَسْأَلُهُ أَنْ يَحْمِلَ هَذَا الْأُسْقُفَّ إِلَيْهِ فَأَجَابَهُ أَنَّ هَذَا شَيْخٌ قَدْ طُعِنَ فِي السِّنِّ وَ قَدْ حَطَمَهُ الزَّمَانُ وَ إِنَّمَا يَحْفَظُهُ هَذَا الْهَوَاءُ وَ هَذَا الْإِقْلِيمُ وَ يُخَافُ عَلَيْهِ إِنْ نُقِلَ إِلَى هَوَاءٍ آخَرَ وَ إِقْلِيمٍ آخَرَ وَ لَحِقَتْهُ حَرَكَةٌ وَ تَعَبٌ وَ مَشَقَّةُ السَّفَرِ أَنْ يَتْلَفَ وَ فِي بَقَائِهِ لَنَا شَرَفٌ وَ فَرَحٌ وَ سَكِينَةٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ شَيْ‌ءٌ يَقْرَؤُهُ أَوْ يُفَسِّرُهُ أَوْ مَسْأَلَةٌ تَسْأَلُونَهُ فَاكْتُبْ لِي بِذَلِكَ فَحُمِلَتِ الْبَلَاطَةُ فِي قَارِبٍ‌ إِلَى بَلَدِ أُسْوَانَ مِنَ الصَّعِيدِ الْأَعْلَى وَ حُمِلَتْ مِنْ أُسْوَانَ عَلَى الْعَجَلَةِ إِلَى بَلَدِ الْحَبَشَةِ وَ هِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأُسْوَانِ فَلَمَّا وَصَلَتْ قَرَأَهَا الْأُسْقُفُّ وَ فَسَّرَ مَا كَانَ فِيهَا بِالْحَبَشِيَّةِ ثُمَّ نُقِلَتْ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ فَإِذَا فِيهَا مَكْتُوبٌ أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغٍ فَسُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدِينِيُّ عَنِ الرَّيَّانِ مَنْ كَانَ فَقَالَ هُوَ وَالِدُ الْعَزِيزِ الْمَلِكِ الَّذِي كَانَ فِي زَمَانِ يُوسُفَ النَّبِيِّ ع وَ اسْمُهُ الْوَلِيدُ بْنُ الرَّيَّانِ بْنِ دَوْمَغٍ وَ كَانَ عُمُرُ الْعَزِيزِ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَ عُمُرُ الرَّيَّانِ وَالِدِهِ أَلْفَ وَ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ وَ عُمُرُ دَوْمَغٍ ثَلَاثَةَ آلَافِ سَنَةٍ. فَإِذَا فِيهَا أَنَا الرَّيَّانُ بْنُ دَوْمَغٍ خَرَجْتُ فِي طَلَبِ عِلْمِ النِّيلِ الْأَعْظَمِ لِأَعْلَمَ‌ فَيْضَهُ وَ مَنْبَعَهُ إِذْ كُنْتُ أَرَى مُفِيضَهُ فَخَرَجْتُ وَ مَعِي مَنْ صَحِبَنِي أَرْبَعَةُ آلَافِ رَجُلٍ فَسِرْتُ ثَمَانِينَ سَنَةً إِلَى أَنِ انْتَهَيْتُ إِلَى الظُّلُمَاتِ وَ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ بِالدُّنْيَا فَرَأَيْتُ النِّيلَ يَقْطَعُ الْبَحْرَ الْمُحِيطَ وَ يَعْبَرُ فِيهِ وَ لَمْ يَكُنْ لِي مَنْفَذٌ وَ تَمَاوَتَ أَصْحَابِي‌ وَ بَقِيتُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ فَخَشِيتُ عَلَى مُلْكِي فَرَجَعْتُ إِلَى مِصْرَ وَ بَنَيْتُ الْأَهْرَامَ وَ الْبَرَانِيَّ [الْبَرَابِيَ‌] وَ بَنَيْتُ الْهَرَمَيْنِ وَ أَوْدَعْتُهُمَا كُنُوزِي وَ ذَخَائِرِي وَ قُلْتُ فِي ذَلِكَ- وَ أَدْرَكَ عِلْمِي بَعْضَ مَا هُوَ كَائِنٌ‌ وَ لَا عِلْمَ لِي بِالْغَيْبِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ‌ وَ أَتْقَنْتُ مَا حَاوَلْتُ إِتْقَانَ صُنْعِهِ‌ وَ أَحْكَمْتُهُ وَ اللَّهُ أَقْوَى وَ أَحْكَمُ‌ وَ حَاوَلْتُ عِلْمَ النِّيلِ مِنْ بَدْءِ فَيْضِهِ‌ فَأَعْجَزَنِي وَ الْمَرْءُ بِالْعَجْزِ مُلْجَمٌ‌ ثَمَانِينَ شَاهُوراً قَطَعْتُ مَسَايِحاً وَ حَوْلِي بَنوُ حُجْرٍ وَ جَيْشُ عَرَمْرَمٍ‌ إِلَى أَنْ قَطَعْتُ الْإِنْسَ وَ الْجِنَّ كُلَّهُمْ‌ وَ عَارَضَنِي لُجٌّ مِنَ الْبَحْرِ مُظْلِمٌ‌ فَأَيْقَنْتُ أَنْ لَا مَنْفَذَ بَعْدَ مَنْزِلِي‌ لِذِي هِمَّةٍ بَعْدِي وَ لَا مُتَقَدِّمٍ‌ فَأُبْتُ إِلَى مُلْكِي وَ أَرْسَيْتُ ثَاوِياً بِمِصْرَ وَ لِلْأَيَّامِ بُؤْسٌ وَ أَنْعُمٌ‌ أَنَا صَاحِبُ الْأَهْرَامِ فِي مِصْرَ كُلِّهَا وَ بَانِي بَرَانِيهَا بِهَا وَ الْمُقَدَّمُ‌ تَرَكْتُ بِهَا آثَارَ كَفِّي وَ حِكْمَتِي‌ عَلَى الدَّهْرِ لَا تُبْلَى وَ لَا تَتَهَدَّمُ‌ وَ فِيهَا كُنُوزٌ جَمَّةٌ وَ عَجَائِبُ‌ وَ لِلدَّهْرِ أَمْرٌ مَرَّةً وَ تَجَهُّمٌ‌ سَيَفْتَحُ أَقْفَالِي وَ يُبْدِي عَجَائِبِي‌ وَلِيٌّ لِرَبِّي آخِرَ الدَّهْرِ يَنْجُمُ‌ بِأَكْنَافِ بَيْتِ اللَّهِ تَبْدُو أُمُورُهُ‌ فَلَا بُدَّ أَنْ يَعْلُوَ وَ يَسْمُوَ بِهِ السِّمُ‌ ثَمَانٍ وَ تِسْعٌ وَ اثْنَتَانِ وَ أَرْبَعٌ‌ وَ تِسْعُونَ أُخْرَى مِنْ قَتِيلٍ وَ مُلْجَمٍ‌ وَ مِنْ بَعْدِ هَذَا كَرَّ تِسْعُونَ تِسْعَةٌ وَ تِلْكَ الْبَرَانِيُّ تَسْتَخِرُّ وَ تُهْدَمُ‌ وَ تُبْدَى كُنُوزِي كُلُّهَا غَيْرَ أَنَّنِي‌ أَرَى كُلَّ هَذَا أَنْ يُفَرِّقَهَا الدَّمُ‌ زَبَرْتُ مَقَالِي فِي صُخُورٍ قَطَعْتُهَا سَتَبْقَى وَ أَفْنَى بَعْدَهَا ثُمَّ أَعْدَمُ‌ فَحِينَئِذٍ قَالَ أَبُو الْجَيْشِ حَمَّادَوَيْهِ بْنُ أَحْمَدَ هَذَا شَيْ‌ءٌ لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ حِيلَةٌ إِلَّا الْقَائِمَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ع وَ رُدَّتِ الْبَلَاطَةُ كَمَا كَانَتْ مَكَانَهَا. ثُمَّ إِنَّ أَبَا الْجَيْشِ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ قَتَلَهُ طَاهِرٌ الْخَادِمُ ذَبَحَهُ عَلَى فِرَاشِهِ وَ هُوَ سَكْرَانُ وَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ عُرِفَ خَبَرُ الْهَرَمَيْنِ وَ مَنْ بَنَاهُمَا فَهَذَا أَصَحُّ مَا يُقَالُ مِنْ خَبَرِ النِّيلِ وَ الْهَرَمَيْنِ.