الحمدللّه الذي أوجب الحمد على عباده بنعمه عندهم آنفاً واستوجب منهم—بما وفّقهم لذلك الحمد على تلك النعم—شكراً مستأنفاً. وسبحان من ليس معه لأحد في الآنف من النعمة، والمستأنف من الشكر صنعٌ في إحداث موهبة، ولا في إلهام شكر، بل برأفته أولى النعم، وبتحنّنه ألهم الشكر، ويتفضّله بسط في ذلك كلّه التوفيق، وبحكمته أرشد إلى الهدى، وبعدل قضائه لم يجعل في الدين من حرج، ولم يدع إليه بسبيل غامض (ولو بان الدالّ) عليه عن الكلام المتداول على الألسنة، بينونته—جلّ ثناؤه—عن عباده، لحارت الأسماع عن إصغائه، وتاهت الأفئدة عن بلوغه، وغربت الأفهام عن حمله غروبها عن كيفيّة الله—جلّت أسماؤه—. والحمدللّه الذي كان من لطيف صنعه وانفاذ حكمته أن لم يحمل علينا في ذلك إصراً، وجعل سفيره—فيما دعا إليه—خيرته من خلقه محمّداً صلّى الله عليه وآله، وبيّن منه—في أيام الدعوة، وقبل حدوث النبوّة وإظهار الرسالة—عناصر طيبة وأعراقاً طاهرة وشيماً مرضيّة. وجعله المقتدى به في مكارم الأخلاق، والمشار إليه بمجانبة الأعراض التي تمنع التقديم والتأخير، وتحجزت بالتقديس والتفضيل، حتى دعانا إلى الله جلّ جلاله بكلام مفهوم، وكتاب عزيز: ﴿لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَـٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ ۖتَنزِيلٌۭ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍۢ﴾. فجعل الداعي منزّهاً عن دنيّة تحجزه عن قول معروف، ومصوناً بالعصمة عن أن ينهى عن خُلقٍ ويأتي بمثله، والرسالة مباينة عن أن يأتيها الباطل من بين يديها أو من خلفها. ومنّ على خلقه أن جعل الداعي معهوداً بالمجاورة، والدعوة مشهورة بالمجاورة، وأوكد في ذلك على عباده الحجة أن دعا إلى حقٍ لا يجمع مختلفين ولا يضمّ إلا متفقين. وجعل عباده—على اختلاف همهم واتّساع خلائقهم—بمعزلٍ عن السبيل التي ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَـٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾، ومباينةً من الحالة التي يملكون فيها لأنفسهم نفعاً أو ضرّاً، وأوكل عجزهم، وضعف آرائهم إلى أئمة أصفياء، وحفظة أتقياء، عن الله يبلّغون، وإليه يدعون، وبما يأمرون به من الخيرات يعملون، وعمّا ينهون عنه ينتهون ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِۦ مُشْفِقُونَ﴾. فالحمدللّه على جميع هذه النِعم الحسنة، حمداً يؤدّى به الحق، ويُستجلب به المزيد. وصلّى الله على محمّد وآله صلاةً ترفع إليه وتزكو عنده، وتدلّ على اشتمال الشبهات، واستقرار الطويّات على أنهم لله علينا حجّة، وإليه لنا قادة وعليه—تبارك اسمه—أدلّة، وفي دينه القيّم شريعةٌ وسالفةٌ، وأن كلمتهم لا تبطل وحجتهم لا تدحض، وعددهم لا يختلف، ونسبهم لا ينقطع، حتى يرث الله—جلّ جلاله—الأرض ومَن عليها وهو خير الوارثين، ويظهر هم على الدين كلّه ولو كره المشركون.
بسم الله الرحمن الرحيم
الإمامة والتبصرة من الحيرة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 2