والحجّة على هذا القول، مثل الحجّة على تسميته: فسمّى إماماً، ولما هو، وأظهر القول فيه بالبداء لمثله، أو جعل البداء لمعنى معارضة في موت أو غم أو رزق أو أجل. والإمامة لا تغيّر، والنسب لا ينقطع، والعدد لا يزيد ولا ينقص. فإن قال قائل: إنّ الذي انتهى إليه الوقت في الغيبة غاية عمر أهل الدهر، ونهاية سنّ خلق هذا العصر، وانّ الآيات قبله لم تظهر، والدلالات المذكورة بين يديه لم تحدث؟! فهلّا يقول بالبداء في هذه الدلالات، ويحتجّ بنسخها، إذ؟ هو جائز عنده أن يبدو لله في إمام، فإنّ ذلك أولى وأحق. وستجده أكثر من يمتنع من هذا، ويحتجّ بأنها من المحتوم! فكيف يجعل هذه الدلالات ممّا (لا) يبدو لله فيها، لأنها من المحتوم، ويقول بالبداء في الإمامة ولا يشكّ أنّها من المحتوم؟! وكيف لا يتّخذ الحجّة في ذلك: أن الله—جلّ اسمه—يعفو عن عباده فيما يتوعّدهم به من عقاب وعذاب محتوماً كان ذلك منه أو موقوفاً. فلا يبدو له في وعد خير صغيراً كان أو كبيراً، حتى تسلم له المدّة ويقرب الله عليه الوقت، ويكفيه أمر الوحشة لطول الغيبة. وإن ترك هذه العلّة في الوقت، وقال بالعمر: أنّه لا يجوز عمر متأخر على عمر متقدم؟! فالخبر شائع أنّ عمر أبي عبداللّه عليه السلام أوفى على عمر من تقدّمه. وكلّما جاز أن يكون في واحد، هو جائز أن يكون في آخر، لا سيّما إذا لم يكن ذلك مما يفسد شريعة أو يبطل سنّة. وعسى أن يعتصم بعد هذه الأحوال مقصّر بالتسليم، فيقول: إنّه واجب استعماله في الأخبار كلّها، ويكره التفقّه، ويرفض القصد فيقول: وردت الأخبار، ولزم القبول ووجب التسليم. ويجعل الوليّ في ذلك بمنزلة العدوّ، فيوجب على أولياء الله استعمال خبر خرج من العلماء عن تقيّة لأعداء الله. ولا يعلم أنّ المجتهد في العمل أفضل من المتّكل على الأماني. ويجهل قول أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهمّ إنك تعلم أنّه ما ورد عليّ أمران أحدهما لك رضا، والآخر لي هوى، إلّا آثرت رضاك على هواي. وهذا بعيد من هذا النمط، وعميق من القول في هذا الموضع، لكنّ لطيف النظر يذهب إليه، ودقيق الفكر يوجب أنّه إذا لزم الإيثار في أمرين كلاهما حق، لفُضّل رضا الله على هوى وليّ من أوليائه. إنّ استعمال الإيثار في خبر ورد لمكان حجة، واستعبار واجب على خبر وقع لمعنى تقيّة ومكان مدافعة. جعلنا الله ممّن يبصر رشده، ويهتدي سننه، ويجتهد في الدين بُلغته ويبذل فيه طاقته، ويخشاه حق خشيته، ويراقبه مراقبة أهل طاعته، ويرغب في ثوابه ويخاف معاده، وختم أعمالنا بالسعادة والزلفى الحسنة. وقد بيّنت الأخبار التي ذكرتها من طريق العدد، وكل ما وقع في عصر إمام من إشارة إلى رجل، أو دعاية منه بغير حق، واستحالة مجاوزة العدد وتبديل الأسماء، بصحيح الأخبار عن الأئمة الهادين عليهم السلام. متوكلاً على الله تعالى، ومستغفراً من التقصير، ومستعيذاً به سبحانه أن أُريد—بما تكلّفته—إلّا الإصلاح وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب.