أسباب اختلاف الروايات وموجبات الحيرة والاشتباه

الإمامة والتبصرة من الحيرة|المجلّد 1|الكتاب 1|الباب 4

الإمامة والتبصرة من الحيرة

الكتاب 1, الباب 4

أسباب اختلاف الروايات وموجبات الحيرة والاشتباه
8 أحاديث
الحديث 1

فلأجل الحاجة إلى الغيبة اتّسعت الأخبار، والمعاني التقيّة والمدافعة عن الأنفس اختلفت الروايات ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًۢا بَعْدَ إِذْ هَدَىٰهُمْ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾. ولولا التقية والخوف، لما حار أحد، ولا اختلف اثنان، ولا خرج شيء من معالم دين الله—تعالى—إلّا على كلمة لا تختلف وحرف لا يشتبه. ولكنّ الله—عظمت أسماؤه—عهد إلى أئمة الهدى في حفظ الأُمة، وجعلهم في زمن مأذون لهم باذاعة العلم، وفي آخر حلماء ﴿يَغْفِرُوا۟ لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجْزِىَ قَوْمًۢا بِمَا كَانُوا۟ يَكْسِبُونَ﴾. عظم هذا من أمر وجلّ! ولأمر ما وقع وحلّ! وغير عجب أن يحدث في مثله من الأوقات خبر يحمي خيط الرقبة. ويحرس بفضل المداراة جمهور البيضة.

الحديث 2

وفي مثل هذا الزمن خولف الأمر في العدد، حتى أُوقع في الظاهر أمر ما لا خلاف في استبطانه، وكشف عن سبب لا شك في كتمانه. وليست إشارة مشهورة وإذاعة بيّنة أن يقول وليّ من أولياء اللهِ وثقة من خزّان أسرار الله أنّ صاحب هذا الأمر أثبت منّي، وأخفّ ركاباً. هذا، مع الروايات المشهورة والأحاديث الكثيرة: أنّ الوقت غير معلوم، والزمن غير معروف، ولولا كتمان الوقت والمساترةُ به، لما استدلّ عليه بالصيحة، والآيات وخروج رايات أهل الضلالات، ولقيل: إنّه فلان بن فلان، وإنّ يومه يوم معلوم بين الأيام، ولكن الله—جلّ اسمه—جعله أمراً منتظراً في كل حين، وحالاً مرجوّة عند كل أهل عصر، لئلاً تقسو—بطول أجل يضربه الله—قلوب، ويستبطأ في استعمال سيّئة وفاحشة، موعدة عقاب، وليكون كل عامل على اُهبّة، ويكون من وراء أعمال الخيرات اُمنيّةٌ، ومن وراء أهل الخطايا والسيئات خشية وردعة، وليدفع الله بعضاً ببعض، والسنّة القديمة على هذا قول رسول الله صلّى الله عليه وآله في أمر الساعة حين أنذر قومه: صبّحتكم الساعة، مسّتكم الساعة، بعثت أنا والساعة كهذه من هذه.

الحديث 3

فلولا ما أراد من المدافعة وتقريب المدّة على عامل الخير والشرّ والثواب والعقاب، لعلم (صلّى الله عليه وآله) أن ما جرت إليه الاُمّة الضالّة دون وقوع الساعة، وأنّ ما وعده الله في أهل بيته من إظهارهم على الدين كلّة قبل حدوثها يكون. وعلى هذا مضت الرسل، ودرج الأخيار، كل يقرّب القيامة، ويدني الساعة، ويبشّر بسرعة المجازاة على العقاب والثواب. ولو كان الخبر عن كل شئ بحقيقته مقدّماً، والأجل في كل مدّة مضروباً ممهداً، لكان حق الرسالة وفرض البلاغة على عيسى عليه السلام أن يأمر من يعلم أنّه يبلغ زمن رسول الله صلّى الله عليه وآله أن يقتصر على ما يعهده في أيّامه، ثقة بأنّ شريعته تنسخ الشرايع، وعلماً بأنّه خير النبيّين وسيد المرسلين. ولأقترف أهل كل فترة ذنوبًا عظيمة وجرائح كثيرة، ولكنّهم كانوا على اقترابٍ من انتظار عقاب أو ثواب وبذلك دفع الله الناس بعضهم ببعض. وهذه السنّة في الأئمة عليهم السلام مستعملة، وعلى أيّامهم جارية، وفيهم قائمة.

الحديث 4

ولو كان أمرهم مهملاً عن العدد وغفلاً، لما وردت الأخبار الوافرة بأخذ الله ميثاقهم على الأنبياء وسالف الصالحين من الأُمة. ويدلك على ذلك قول أبي عبداللّه عليه السلام حين سئل عن نوح عليه السلام لمّا ذكر « استوت سفينته على الجوديّ بهم »: هل عرف نوح عددهم؟ فقال: نعم، وآدم عليه السلام. وكيف يختلف عدد، يعرفه أبو البشر ومن درج من عترته والأنبياء من عقبه، على شرذمة من ذريّته وبقيّة يسيرة من ولده؟!

الحديث 5

وأيّ تأويل يدخل على حديث اللوح. وحديث الصحيفة المختومة؟ والخبر الوارد عن جابر في صحيفة فاطمة عليها السلام؟ وكيف لا يعلم: أنّ الذي قالـ[ه] العالم عليه السلام: ستّة أيام، أو ستة أشهر أو ستّ سنين، غير معلوم؟! ومن غير شك يجوز أنّ أمراً لا يمتنع أن يجوز وقته من ستّة أيام إلى ستّة أشهر، ومن ستّة أشهر إلى ستّ سنين، غير ممتنع أن يجوز إلى سنين. وهل هذا مفهومٌ؟ فإن كان عليه السلام أراد تسمية الوقت، فقد علم أنّه لم يسمّ. وإن أراد الأغماض منه فغير عجب أن يغمضه بأشدّ ما يقدر عليه، ويستر عنه بأجهد ما يمكنه، لأنّ أمراً يخبر عنه من يوثق بعلمه بالشك بين ستّة أيام أو ستّ سنين، لا يراد به غير المغامضة والسّتّر. ولولا إقحام السؤال عليهم في أوقات غير مسهّلة للجواب، لما خرج حكم إلّا على حقيقته، ولا كلام إلّا على جهته.

الحديث 6

فأمّا قوله عليه السلام: إنّ صاحب هذا الأمر ابن ثلاثين سنة، أو إحدى وثلاثين سنة، أو أربعين سنة، فإن جاز الأربعين فليس بصاحب هذا الأمر. فإنّه لمعنى المدافعة عن الأنفس، وليتيقّن من لا يشكّ في إمامة من يحدّث بهذا الحديث من أعدائه: أنّه ليس بصاحب السيف فيلهو عنه ويشتغل عن طلبه. ويدلّك على هذا قوله: يملك السابع من ولد الخامس، حتى يملأها عدلاً كما ملئت جوراً. ولو كان صاحب هذا الأمر لا يجوز أن يجوز أربعين سنة، لما جاز لأحد من الأئمة عليهم السلام أن تصلح له الإمامة فوق الأربعين، لأن الإمامة شأن واحد في القيام بالعلم والسيف، وما كان الله ليجعل هذا الأمر العظيم في رجل يختاره، ثم ينزعه عنه لمعنى السنّ.

الحديث 7

ولو طويت ما نطقت به من هذا التأويل على هذا الخبر، لكان فيما يتأوّله من يتعلق به للردّ أقنع حجّة وأبلغ دفعاً، لأنّ الذي يروي هذا الحديث يتأوّل: أنّ امتناع القيام بعد الأربعين سنة من طريق النكير في العقول. وأعوذ بالله أن أقول: إنّهم صلوات الله عليهم بمنزلة سائر الناس، وإنّ عقولهم ممّا يدخلها الفساد في الأربعين وما فوقها. والأسوة برسول الله صلّى الله عليه وآله حسنة، وهو سيّد النبيّين والأئمة الراشدين، وحين أناف على الأربعين نُبّي، وبعدها بسنين أظهر الدعوة. فأمّا أمر موسى عليه السلام، وقوله: وإنّه لا يموت حتى يملأها عدلاً كما ملئت جوراً، فإنّ ذلك قاله عند شدّة الطلب وقسوة القلوب، ليقرّب المدّة، ويردع الظلمة. والحجّة، فيمن قال بالوقف عليه، قد استقصيت بصحيح الأخبار في باب إمامته. وإنّما أردت بذكر هذا الحديث إيراد قوله: « بدا لله فيما قلت » لأنّه خرج في أيّام فلان حين اشتدّ الطلب والخوف، حتى وقع بعد هذا الحديث من الغيبة والاختفاء ما اتّصل بهذا العهد وبلغ هذه المدّة، وما كان الله ليبدو له في إمام تسميةً ولا خروجاً. وما أُفرّق—بعد قولي: إن الإمامة أحد الشرائع الخمسة—بين من يقول بالبداء فيها بالعدد والتسمية، وبين من يقول بالبداء في الصلاة والصوم وسائر الشرائع الأربعة. لأنّ مَخْرَجَ الأربعة من الواحدة، وهي الإمامة، فإن جاز أن ينسخ الله أصل الشرائع، جاز أن ينسخ فرعها. وأعوذ بالله أن أقول بنسخ شريعة وتبديل ملّة، بعد أن جعل الله محمّداً صلّى الله عليه وآله خاتم النبيّين، وشريعته خاتمة الشرائع، وواصل القيام على دينه وشريعته بقيام الساعة، والانتقال منها إلى محشر القيامة فأمّا الوقت: فالسنّة فيه الكتمان، والشريعة فيه الامساك عن الإعلان. وممّا يدلّ على التقيّة ويرشد إلى أنّ الأخبار الكثيرة وردت لعلّةٍ ما: قوله عليه السلام: « بدا لله في إسماعيل ». فكيف الحجّة الآن في آدم عليه السلام أنّه حفظ أسماءهم؟ وما القول في أمر نوح أنّه علم عددهم؟ وكيف يثبت أنّ الله—عزّ وجلّ–أخذ على الأمّة كلّها عهدهم، وهو ينسخ أمرهم، ويبدو له في أسمائهم؟. وبأيّ دليل يدفع أمر اللوح؟ فأخبار الأظلّة، والآثار الواردة أنّ الله خلقهم قبل الأُمم، وما كان الله ليأخذ مولى من أوليائه على قوم، ثم يبدو له في ذلك وقد قبض إليه منهم العدد الكثير، إذ هو الحق أن لا يحاسب إلا بحجّة، ولا يعذّب إلّا بحقيقة بلاغ. وحاش لله أن يجعل خلفاء في عباده من ينقض أمرهم ويبدّل سنّتهم وتكون حكمته—سبحانه—بمحل يرشّح رجلاً لحفظ بيضة المسلمين فيكون بمنزلة ينحّى عنها قبل انقضاء أجّله وبلوغ مدّته، أو يجعله بمحل من يحدث في عقله الفساد لبلوغه أقصى العمر وأبعد السنّ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

الحديث 8

والحجّة على هذا القول، مثل الحجّة على تسميته: فسمّى إماماً، ولما هو، وأظهر القول فيه بالبداء لمثله، أو جعل البداء لمعنى معارضة في موت أو غم أو رزق أو أجل. والإمامة لا تغيّر، والنسب لا ينقطع، والعدد لا يزيد ولا ينقص. فإن قال قائل: إنّ الذي انتهى إليه الوقت في الغيبة غاية عمر أهل الدهر، ونهاية سنّ خلق هذا العصر، وانّ الآيات قبله لم تظهر، والدلالات المذكورة بين يديه لم تحدث؟! فهلّا يقول بالبداء في هذه الدلالات، ويحتجّ بنسخها، إذ؟ هو جائز عنده أن يبدو لله في إمام، فإنّ ذلك أولى وأحق. وستجده أكثر من يمتنع من هذا، ويحتجّ بأنها من المحتوم! فكيف يجعل هذه الدلالات ممّا (لا) يبدو لله فيها، لأنها من المحتوم، ويقول بالبداء في الإمامة ولا يشكّ أنّها من المحتوم؟! وكيف لا يتّخذ الحجّة في ذلك: أن الله—جلّ اسمه—يعفو عن عباده فيما يتوعّدهم به من عقاب وعذاب محتوماً كان ذلك منه أو موقوفاً. فلا يبدو له في وعد خير صغيراً كان أو كبيراً، حتى تسلم له المدّة ويقرب الله عليه الوقت، ويكفيه أمر الوحشة لطول الغيبة. وإن ترك هذه العلّة في الوقت، وقال بالعمر: أنّه لا يجوز عمر متأخر على عمر متقدم؟! فالخبر شائع أنّ عمر أبي عبداللّه عليه السلام أوفى على عمر من تقدّمه. وكلّما جاز أن يكون في واحد، هو جائز أن يكون في آخر، لا سيّما إذا لم يكن ذلك مما يفسد شريعة أو يبطل سنّة. وعسى أن يعتصم بعد هذه الأحوال مقصّر بالتسليم، فيقول: إنّه واجب استعماله في الأخبار كلّها، ويكره التفقّه، ويرفض القصد فيقول: وردت الأخبار، ولزم القبول ووجب التسليم. ويجعل الوليّ في ذلك بمنزلة العدوّ، فيوجب على أولياء الله استعمال خبر خرج من العلماء عن تقيّة لأعداء الله. ولا يعلم أنّ المجتهد في العمل أفضل من المتّكل على الأماني. ويجهل قول أمير المؤمنين عليه السلام: اللّهمّ إنك تعلم أنّه ما ورد عليّ أمران أحدهما لك رضا، والآخر لي هوى، إلّا آثرت رضاك على هواي. وهذا بعيد من هذا النمط، وعميق من القول في هذا الموضع، لكنّ لطيف النظر يذهب إليه، ودقيق الفكر يوجب أنّه إذا لزم الإيثار في أمرين كلاهما حق، لفُضّل رضا الله على هوى وليّ من أوليائه. إنّ استعمال الإيثار في خبر ورد لمكان حجة، واستعبار واجب على خبر وقع لمعنى تقيّة ومكان مدافعة. جعلنا الله ممّن يبصر رشده، ويهتدي سننه، ويجتهد في الدين بُلغته ويبذل فيه طاقته، ويخشاه حق خشيته، ويراقبه مراقبة أهل طاعته، ويرغب في ثوابه ويخاف معاده، وختم أعمالنا بالسعادة والزلفى الحسنة. وقد بيّنت الأخبار التي ذكرتها من طريق العدد، وكل ما وقع في عصر إمام من إشارة إلى رجل، أو دعاية منه بغير حق، واستحالة مجاوزة العدد وتبديل الأسماء، بصحيح الأخبار عن الأئمة الهادين عليهم السلام. متوكلاً على الله تعالى، ومستغفراً من التقصير، ومستعيذاً به سبحانه أن أُريد—بما تكلّفته—إلّا الإصلاح وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكّلت، وإليه أنيب.