ولو طويت ما نطقت به من هذا التأويل على هذا الخبر، لكان فيما يتأوّله من يتعلق به للردّ أقنع حجّة وأبلغ دفعاً، لأنّ الذي يروي هذا الحديث يتأوّل: أنّ امتناع القيام بعد الأربعين سنة من طريق النكير في العقول. وأعوذ بالله أن أقول: إنّهم صلوات الله عليهم بمنزلة سائر الناس، وإنّ عقولهم ممّا يدخلها الفساد في الأربعين وما فوقها. والأسوة برسول الله صلّى الله عليه وآله حسنة، وهو سيّد النبيّين والأئمة الراشدين، وحين أناف على الأربعين نُبّي، وبعدها بسنين أظهر الدعوة. فأمّا أمر موسى عليه السلام، وقوله: وإنّه لا يموت حتى يملأها عدلاً كما ملئت جوراً، فإنّ ذلك قاله عند شدّة الطلب وقسوة القلوب، ليقرّب المدّة، ويردع الظلمة. والحجّة، فيمن قال بالوقف عليه، قد استقصيت بصحيح الأخبار في باب إمامته. وإنّما أردت بذكر هذا الحديث إيراد قوله: « بدا لله فيما قلت » لأنّه خرج في أيّام فلان حين اشتدّ الطلب والخوف، حتى وقع بعد هذا الحديث من الغيبة والاختفاء ما اتّصل بهذا العهد وبلغ هذه المدّة، وما كان الله ليبدو له في إمام تسميةً ولا خروجاً. وما أُفرّق—بعد قولي: إن الإمامة أحد الشرائع الخمسة—بين من يقول بالبداء فيها بالعدد والتسمية، وبين من يقول بالبداء في الصلاة والصوم وسائر الشرائع الأربعة. لأنّ مَخْرَجَ الأربعة من الواحدة، وهي الإمامة، فإن جاز أن ينسخ الله أصل الشرائع، جاز أن ينسخ فرعها. وأعوذ بالله أن أقول بنسخ شريعة وتبديل ملّة، بعد أن جعل الله محمّداً صلّى الله عليه وآله خاتم النبيّين، وشريعته خاتمة الشرائع، وواصل القيام على دينه وشريعته بقيام الساعة، والانتقال منها إلى محشر القيامة فأمّا الوقت: فالسنّة فيه الكتمان، والشريعة فيه الامساك عن الإعلان. وممّا يدلّ على التقيّة ويرشد إلى أنّ الأخبار الكثيرة وردت لعلّةٍ ما: قوله عليه السلام: « بدا لله في إسماعيل ». فكيف الحجّة الآن في آدم عليه السلام أنّه حفظ أسماءهم؟ وما القول في أمر نوح أنّه علم عددهم؟ وكيف يثبت أنّ الله—عزّ وجلّ–أخذ على الأمّة كلّها عهدهم، وهو ينسخ أمرهم، ويبدو له في أسمائهم؟. وبأيّ دليل يدفع أمر اللوح؟ فأخبار الأظلّة، والآثار الواردة أنّ الله خلقهم قبل الأُمم، وما كان الله ليأخذ مولى من أوليائه على قوم، ثم يبدو له في ذلك وقد قبض إليه منهم العدد الكثير، إذ هو الحق أن لا يحاسب إلا بحجّة، ولا يعذّب إلّا بحقيقة بلاغ. وحاش لله أن يجعل خلفاء في عباده من ينقض أمرهم ويبدّل سنّتهم وتكون حكمته—سبحانه—بمحل يرشّح رجلاً لحفظ بيضة المسلمين فيكون بمنزلة ينحّى عنها قبل انقضاء أجّله وبلوغ مدّته، أو يجعله بمحل من يحدث في عقله الفساد لبلوغه أقصى العمر وأبعد السنّ، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.